السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

246

مختصر الميزان في تفسير القرآن

لأنه مخلوق محدود لا يتعدى طور نفسه فهو علام جميع الغيوب ، ولا يعلم شيء غيره تعالى بشيء من الغيوب لا الكل ولا البعض . على أنه لو أحيط من غيبه تعالى بشيء فإن أحاط تعالى به لم يكن هذا المحيط محيطا حقيقة بل محاطا له تعالى ملّكه اللّه بمشيئته أن يحيط بشيء من ملكه من غير أن يخرج بذلك من ملكه كما قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ( البقرة / 255 ) . وإن لم يحط سبحانه تعالى بما أحاط به كان مضروبا بحد فكان مخلوقا تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . قوله تعالى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ لما نفى عليه السّلام القول المسؤول عنه عن نفسه بسمي سببه أولا نفاه ببيان وظيفته التي لم يتعدها ثانيا فقال : « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » الخ ؛ وأتى فيه بالحصر بطريق النفي والإثبات ليدل على الجواب بنفي ما سئل عنه وهو القول « اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » . وفسر ما أمره به ربه من القول بقوله « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ » ثم وصف اللّه سبحانه بقوله « رَبِّي وَرَبَّكُمْ » لئلا يبقى أدنى شائبة من الوهم في أنه عبد رسول يدعو إلى اللّه ربه ورب جميع الناس وحده لا شريك له . وعلى هذه الصراحة كان يسلك عيسى بن مريم عليه السّلام في دعوته ما دعاهم إلى التوحيد على ما يحكي عنه القرآن الشريف ، قال تعالى حكاية عنه : إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( الزخرف / 64 ) وقال : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( مريم / 36 ) . قوله تعالى : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثم ذكر عليه السّلام وظيفته الثانية من جانب اللّه سبحانه وهو الشهادة على أعمال أمته كما قال تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً